ابن الأثير

105

الكامل في التاريخ

ماني ، فإنّها تدعو النّاس إلى ظاهر حسن كاجتناب الفواحش ، والزهد في الدنيا ، والعمل للآخرة ، ثمّ تخرجها من هذا إلى تحريم اللّحوم ، ومسّ الماء الطّهور ، وترك قتل الهوامّ تحرّجا ، ثم تخرجها [ 1 ] إلى عبادة اثنين : أحدهما النور ، والآخرة الظلمة ، ثمّ تبيح بعد هذا نكاح الأخوات والبنات ، والاغتسال بالبول ، وسرقة الأطفال من الطرق ، لتنقذهم من ضلال الظّلمة إلى هداية النور ، فارفع فيها الخشب وجرّد السيف فيها ، وتقرّب بأمرها إلى اللَّه ، فإنّي رأيت جدّي العبّاس ، رضي اللَّه عنه « 1 » ، في المنام قلّدني سيفين لقتل أصحاب الاثنين . فلمّا ولي الهادي قال : لأقتلنّ هذه الفرقة . وأمر أن يهيّأ له ألف جذع . فمات بعد هذا القول بشهرين . قيل : وكان عيسى بن دأب من أكثر أهل الحجاز أدبا ، وأعذبهم ألفاظا ، وكان قد حظي عند الهادي حظوة لم تكن لأحد قبله ، وكان يدعو له بما يتّكئ عليه في مجلسه ، وما كان يفعل ذلك بغيره ، وكان يقول له : ما استطلت « 2 » بك يوما ولا ليلا ، ولا غبت عن عيني إلّا تمنّيت أن لا أرى « 3 » غيرك ، وأمر له بثلاثين ألف دينار في دفعة واحدة ، فلمّا أصبح ابن دأب أرسل قهرمانه إلى الحاجب في قبضها ، فقال الحاجب : هذا ليس إليّ ، فانطلق إلى صاحب التوقيع ، وإلى الديوان ، فعاد إلى ابن دأب فأخبره ، فقال : اتركها . فبينما الهادي في مستشرف له ببغداذ رأى ابن دأب وليس معه إلّا غلام واحد ، فقال للحرّانيّ : ألا ترى ابن دأب ما غيّر حاله ، وقد وصلناه ليرى

--> [ 1 ] من تحرجها . ( 1 ) . P . C . mO . ( 2 ) . استطلب . P . C . ( 3 ) . أدري . A .